الأحد، 10 ديسمبر 2017

(القريب البعيد)

المِسخُ الأحدبُ البَطل :
 بقلم الشاعر / Alckarib Albaid
_في إحدى المرتفعات الجبليَّة الجميلة،حيث الهواء العليل،والمرتفعات الشَّاهقة،حيث تضع النُّسور أعشاشها،كان هناك قرية صغيرة غايةً في الجمال تترامى أطرافها على سفح أحد الجبال،في هذه القرية كان يعيش حطَّاب طيِّب السريرةِ،رجلٌ أحدب،ولأنَّه لم يكن وسيماً،وأحدباً،وبسيطاً،لم يكن يكاد يحظى بإنتباهِ أهل القرية،ولا بشرف الحديث إليهم،بل بالعكس كان يتعرض للمضايقات،والمهانة من شباب القرية،وسُفهائِها،وحتَّى أطفالها كلَّما مرَّ بهم بالرغم من طيبته،وحسن طباعه وأخلاقه،كان بيته آخر بيوت القرية لكن من يرى بعده عن باقي المنازل يجعله يشك بوجود سبب مقنع لعزلة هذا البيت بأعلى المنحدر عن باقي بيوت القرية التي يعانق بعضها بعضا،وظل الأحدب الطيِّب رغم قوَّته وبأسه خَلوقا،وصبورا مع أهل القرية رغم تطاولهم عليه وبقي على هذه الحال لكن كما يقول المثل دوام الحال من المحال.
_كان الحطَّاب الأحدب،أو المسخ كما ينعته شباب القرية رجلا نشيطا وأوَّل من يستيقظ بينهم،ويعود مساءً من أسفل الجبل محمَّلاً بالحطب الذي يدفيء لياليهم الباردة،وينضج خبزهم وطعامهم.
_وفي أحد الأيَّام وبينما هو في طريق عودته إلى المنزل هَالَه مارأى من بيوتٍ مهدَّمةٍ وأغنام ممزَّقة إلى أشلاء وبدخوله إلى وسط البلدة زادت دهشته عندما رأى خيرة شبابها مُلقَون على الأرض هنا وهناك،ليسمع بأنَّ هناك وحشاً قد هجم على القرية مع خيوط الفجر الأولى وعاث فيها فساداً فقتَل من قتل وخرَّب وصعِد إلى قمة الجبل لتبقى صيحاته تدوِّي من أعلى ليزيدَ صداها المتكرِّر بين السفوح من رعب من بقي من أهل القرية حيًّا،ومنهم من فرَّ بعد الهجوم وترك كل مايملك وراءه ومن يعزم على ذلك إن بقي حيَّا إلى الصَّباح.
_دخل الحطَّاب إلى بيته البسيط على أطراف البلدة،جلس على مقعدٍ له في ركن البيت وتبسم محدثا نفسه بصوتٍ مسموعٍ:حتى الوحش لم ينتبه إلى بيتك أيُّها المِسخ،ثم رفع رأسه إلى الجدار حيث علَّق رمحاً وسيفاً له،حتَّى أنَّه لم يعد يذكر آخر مرة إستعملهما فيها،وقف واتجه نحوهما وأخذ يتحسَّسهما بأنامله في رقَّةٍ ونعومةٍ كمن يلتقي حبيباً طال غيابه لدرجة أنه لم يعد يصدق بأنه حقيقيُّ ،أو أنَّ سيعود يوماً ما،ثم قال بعد صمتٍ طويلٍ نسبيًّا :ربَّما آن للمسوخ أن تتعارف أخيراً فيما بينها،كلُّ هذا وصيحات الوحش تهزُّ أركان القرية الضئيلة لتردَّ عليها صرخاتُ إنتحابِ ساكنيها.
_إستلَّ الحطَّاب سيفه ورمحه وارتدى درعه وانتظر حلول الظَّلام مع أول شفقٍ لغروبِ ذلك اليوم المشؤوم،كان الأحدب يتسلَّق صاعداً بإتِّجاه ذلك الصَّوت في الأعلى ،ومع إقتراب إنتصافِ اللَّيل كان الأحدب قد وصل القمَّة،وقد هاله مارأى هناك،كان ضخماً،ومرعباً ماهاجم القرية.
_أدرك الحطَّاب بأنَّ هيجانَ ورُعبَ الأهالي كان مبرَّرا،قفز الرَّجل الطيِّب مخاطراً بنفسه من أجل من عاش بينهم مذمُوماً منبُوذاً رغم أنه كان بإمكانه الرَّحيل فحسب،وترك كلَّ شيء وراءه،فلم يكن يملك الكثير من أجل البقاء لأجله،لكنه كان أصيلاً،ولا ذنب له في كونه بشعاً،أو أحدباً،أو مِسخاً،وبعد صراعٍ دامٍ حتى إنبثاق خيوط الفجر الأولى ،نزلَ البطل بجراحهِ إلى البلدة يجرُّ أحد أنيابِ الوحشِ التي جاوزت طول الرَّجل،ليطمئن قلوب سكان قريته الحبيبة،ويقتنعوا بالعدول عن فكرة هجر بلدتهم،راح يتقدَّم ببطأ نحو مركز القرية وسط ذهولٍ مِن أهلها،وبعد أن ترك الحبلَ من على عاتقه ،حتى تعالت صيحات الشُّكر والفرحة:عاش البطل،عاش البطل.
_وتحوَّل المسخ فجأة إلى بطل وعاش فارسا حاميا لتلك القرية من كلِّ الشرور،ونال الإحترام والشَّرف الذي لطالما إستحقه في صميمه .
11/12/2017
06:41
(القريب البعيد)
بنيت الأسطر على إسقاطات واقعية من مجتمعاتنا العربية،هدفي أن لانحتقر بعضنا بعضا لمنصب أو لخلقة بأجسادنا،نحن لانختار بأن نكون من نكون ،ولا نختار أبناءنا،ولا جيراننا ،ولاوالدينا،نحن مسلمون لافرق بين عربي ولا أعجمي بيننا،ولاأبيض ولاأسود،نحن لانعلم بأن مصيرنا قد يكون بيد أحد مسوخنا يوما ما،علينا أن لا نحتقر بعضنا بعضا.
بسم الله الرحمن الرحيم: (ياأيها الذين آمنوا لايسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خير منهنَّ)صدق الله العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق