حلم يتبخر
بقلم الشاعر / مصطفى رضوان
****************************
و أنا صغير كانت أمي تحلم بأن أكبر و أحصل على شهادة عليا تمكنني من أن أتبوأ منصبا محترما أستطيع من خلاله تحقيق جميع أمنياتي و أمنياتها أيضا .. كانت أمي مطلقة بثلاثة أولاد ، نعيش في بيت صغير و مظلم بيت أشبه بالكوخ، لا تتوفر فيه أبسط شروط العيش الكريم ، بيت تتلخص فيه مأساة كل إنسان يعيش البؤس و الحرمان. .و أنا صغير كنت أسمع أنين أمي باليل و هي تبكي في صمت .. كنت أتحسس وجهها الذي أضناه الوجع فأمسح دموعها بيدي الصغيرة فتمسك بها في ظلمة اليل و تقبلها برفق و حنان و تجرني إلى حضنها و هي تفرك شعري بمهل كي أنام. . كثيرا ما كنت أتساءل وقتها لماذا أمي تبكي؟ و لما هي حزينة دائما، لا تضحك إلا تكلفا؟ لماذا نحن فقراء؟ لا نملك شيئا؟.. في كثير من الأحيان كنا نستيقظ صباحا و لا نجد ما نأكله فنقضي اليوم كله نتضور جوعا و حرمانا. . كنا نجمع قطعا صغيرة من الخشب، تستخدمها أمي كحطب لطهي الحساء نسد به رمقنا. . في الصباح كانت أمي تساعدنا على إرتداء ملابسنا الرخيصة و رائحة البول تفوح في كوخنا الصغير تزكم الأنوف لطالما هددتنا بالعقاب الشديد إن لم نكف عن هذه العادة القبيحة كانت تتأفف من فعلتنا هاته فقد أتعبها كثرت الغسيل. . كنا ننظر إلى بعضنا البعض كل واحد منا يلوم الآخر في صمت. . ثم نبتسم خلسة مخافة أن نتعرض للعقاب. . بعد أن نذهب إلى المدرسة كانت هي تخرج إلى مقهى مجاورة تعمل بها كمنظفة، ذات يوم جاءت و هي تبكي و تصرخ تقول لن أعود إلى العمل هناك. . كلهم كلاب. . كلهم كلاب. .لم يجرؤ أحدنا على مساءلتها و بعد أيام انتشر الخبر في حينا. .لقد تعرضت للتحرش و محاولة الاغتصاب من طرف مالك المقهى. .وقتها تساءلت بحزن و مرارة : أين أبي؟ لماذا فعل بنا كل هذا؟ أليس في قلبه مثقال ذرة من رحمة؟ أوليس نحن من صلبه؟لما كل هذه الوحشية و اللامبالاة في التعامل معنا؟ ساعتها امتلأ قلبي حقدا و غضبا عليه. .كنت أشعر بالغيرة و أصدقائي يلهون و يلعبون و يمرحون في حضن أبيهم. . كنت أفتقد إلى شيء مهم و مصيري في حياة الإنسان و هو الإحساس بحنان الأب و العيش في كنفه و تحث ظله. لهذا قررت أن أكون أبا صالحا لأبنائي .. كنت أجد و أجتهد في دراستي كانت أمي فخورة بي فصبرها و كدها لم يذهب هباء. . كنت أملها الوحيد بعد أن فشل إخوتي في استكمال مسارهم الدراسي. . بعد تخرجي و حصولي على الشهادة العليا أقامت أمي حفلا بهيجا بهذه المناسبة السعيدة. . و اشترت لي بدلة زرقاء من دريهمات كانت تحتفظ بها للزمن كما كانت تقول. . كنت سعيدا بالبدلة الجديدة أكثر من الشهادة التي حصلت عليها، لم أفوت الفرصة لبستها و خرجت أتباها بها أمام أصدقاء الحي كطاووس يزهو بريشه الملكي. . كل من رآني يهتف : مبروك عليك يا دكتور فأجيب ملوحا بيدي ، مختالا في مشيتي، بارك الله فيك. . لكن للأسف ساعات الفرح دائما لا تدوم، فأنا من وقتها و أنا أبحث عن عمل. . طرقت كل الأبواب و لم يفتح في وجهي باب. . هل هو نحس أم لعنة تطاردنا منذ الصغر ؟ .. كنت أفكر في الإنتحار لأضع حدا لهذا المصير القاتم المظلم الذي طبع حياتي كلها. . ذهبت إلى المقهى المجاورة لحينا جلست هناك.. أشعلت سيجارتي الرخيصة أفكر في حل لهذه المأساة. . و أنا أرتشف قهوتي السوداء إذا بيد تربت على كتفي. . نظرت إليه كم كانت المفاجأة كبيرة و الدهشة عظيمة !... إنه قدري . .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق